فصول دراسية «مفيش فيها خرم ابره» .. فكيف يكون التعليم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

24102016

مُساهمة 

. فصول دراسية «مفيش فيها خرم ابره» .. فكيف يكون التعليم؟





هل يمكن لطالب الجلوس نحو سبع ساعات، أو يزيد، وسط مائة شخص آخر على الأقل فى فصل دراسى يفتقد أبسط وسائل الراحة؟ كيف يمكن للمعلم أن يشرح درسا لـهذا العدد الهائل فى مكان، لو أن كل واحد منهم أخذ شهيقا من الهواء، لاختنق الباقى فيه؟ كيف يمكن للمدرس أن يوصل المعلومة وسط هذا الطوفان البشرى؟ هل يجد سبيلا لمقاومة السأم أو الملل؟

وإذا كان هذا حال المدرس، فكيف بحال طفل صغير لا يتعدى عمره عشر سنوات يعيش يوميا هذه المأساة فى المدارس الحكومية التى تخطى عدد طلاب الفصل الواحد فى بعضها حاجز المائة, وكادت الأحواش والملاعب تختفى نظرا لبناء الفصول بها حتى تستوعب الأعداد الجديدة كل عام؟ جراء ذلك، حصلت مصر العام الماضى على «صفر» فى مؤشر جودة التعليم فيما يتعلق بكثافة الفصول الدراسية.


مشكلة كثافة الفصول الدراسية متكررة، وتطل برأسها كل عام، وتشرئب أعناقنا جميعا للبحث عن حل لها، ولا يكاد يمر موسم دراسى من دون تصريحات وزارية بضرورة القضاء عليها، والتوسع فى بناء المدارس، ولكن دائما أيضا ما يتحدث المسئولون عن عائق التكلفة، وعدم توافر أماكن للبناء.

وما بين مدارس الأقاليم والقاهرة، نجد التراوح والتباين فى أعداد الطلاب فى الفصول بالمراحل الثلاث الأولى للتعليم، وإن كانت الأحوال فى بعض المدارس لا ترقى لمستوى لائق لتحصيل العلم باستثناءات قليلة. وتبقى الكثافة والدروس الخصوصية وجهين للعملية التعليمية فى مصر حاليا, فقد وصلت الكثافة فى بعض المدارس الحكومية إلى120 تلميذا فى الفصل الواحد . أما فى المدارس الابتدائية، فإن كثافتها لا تقل عن90 تلميذا.

تصريحات الحكومة، المتمثلة فى وزير التربية والتعليم د. الهلالى الشربينى، لا تحمى زرعا، ولا تصد ريحا، والأزمة لا تزال قائمة، حيث قال إن كثافة الطلاب بالفصول تصل فى بعض المدارس إلى 140 طالبًا، منوهًا إلى أن الوزارة تريد إضافة 150 ألف فصل بتكلفة 60 مليار جنيه لمواجهة الكثافة الطلابية، وتحتاج إلى 52 ألف فصل آخر لإلغاء الفترة الثانية بالمدارس، بالإضافة إلى وجود 884 مدرسة مغلقة تحتاج لصيانة شاملة، مع وجود مناطق محرومة من التعليم تحتاج إلى بناء 33 ألف فصل جديد، فضلا عن ارتفاع كثافة الفصول، وشدة الزحام بين الطلاب.

بداية، يضع الدكتور محمود كامل الناقة، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس، رئيس الجمعية المصرية للمناهج وطرق التدريس، نصب أعيننا حقيقة مؤكدة، مفادها أن كل المشكلات المرتبطة بضعف مخرجات العملية التعليمية سببها الرئيسى ارتفاع كثافة الفصول. فكلما زاد عدد التلاميذ فى الفصل، تعددت الفروق الفردية وتباينت، مما يلقى على المعلم عبئا لا يستطيع القيام به، وهو أن ينوع فى إجراءات وأساليب التدريس بالشكل الذى يقابل تنوع الفروق الفردية، وهذا غير ممكن على الإطلاق فى ظل الزمن المخصص لكل حصة.

ويضيف أن الكثافة لا تتيح للمعلم أن يجيب على جميع الأسئلة التعليمية لكل التلاميذ فى ظل زيادة الأعداد، كما أنه لا يستطيع أن يعطى اهتماما لضعاف المستوى من جانب، والمتفوقين من جانب آخر، ولا يستطيع أن يعالج القضايا الخاصة بالتربية كالقيم والسلوك، لأن وقت الحصة لا يكفى الدرس التعليمى، وبالتالى لا يمكن أن يستوعب الدرس التربوى.

وبالإضافة إلى ما سبق، يشير د.الناقة إلى أن للكثافة تأثيرات أخرى من الناحيتين النفسية والاجتماعية، حيث تتسبب فى كراهية الطلاب للمدرسة، فتصبح بالنسبة لهم أشبه بالمعتقل الذى لا يرغبون فى الذهاب إليه، وتولد أيضا لدى المعلم كراهية المبنى المدرسى، وأداء العمل.

ويرى أن كثافة الفصول الدراسية مشكلة تعليمية اقتصادية مجتمعية، ولذلك ليست هناك متاعب فى إدراك حلها، مطالبا بمنح جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية لرواد العمل الاجتماعى من المتبرعين ببناء مدارس، سواء كانوا رجال أعمال، أو تربويين، على أن يتم تذليل كل الصعاب والمعوقات لهم ومنظمات المجتمع المدنى للإسهام فى هذا العمل العظيم، وتقديم ما أنجزوه للمجتمع بصورة جيدة، حتى يقتدى بها الآخرون.

الدكتور يحيى عطية سليمان، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس، يقول: لا شك فى أن كثافة الفصول الدراسية من معوقات تفاعل المعلم مع الطلاب، ولا تساعده على ابتكار طرق تدريس حديثة، ولا تعطيه فرصة للنقاش والحوار، وتنمية مهارات التفكير.

ويشير إلى أنه يوجد 51 ألف مدرسة فى مصر، نحتاج إلى مثلها كى يتم القضاء على كثافة الفصول الدراسية، وهذا يحتاج إلى مليارات الجنيهات.

ويتمنى علَى رجال الأعمال الشرفاء والقطاع الخاص المشاركة المجتمعية فى بناء المدارس، لأنها ضرورة ملحة تفرضها ظروفنا الاقتصادية الصعبة، فالدولة لا يمكنها بمفردها حل كل المشكلات التعليمية القائمة، وعلى رأسها العجز الشديد فى بناء المدارس لضعف الميزانية المخصصة لقطاع التعليم.

وأكد د. يحيى أنه فى ظل الكثافة الرهيبة فى أعداد التلاميذ فى الفصول، والمرتبطة بزيادة السكان وما تتطلبه من خدمات تعجز أجهزة الدولة عن الوفاء بها، أصبحت المشاركة المجتمعية ضرورة وليست ترفًا، وكان من الواجب على جميع فئات المجتمع المشاركة فى بناء المدارس وصيانتها.
ودعا الدولة إلى توفير قطع الأراضى اللازمة لرجال الأعمال والقطاع الخاص لإنشاء المدارس عليها. عدا ذلك، سيكون الحل صعبا وبطيئا، فلا بد أن تكون الحلول جذرية خارج الصندوق.

الدكتورة حنان حافظ، أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس بتربية عين شمس، توضح أن مشكلة كثافة الفصول الدراسية جزء من ثقافة «الزحمة»، التى تسود المجتمع المصرى، وترى أن مشكلة التعليم الحقيقية فى مصر لا تكمن فى المناهج، ولا فى الأبنية التعليمية، وإنما تكمن فى إعداد المعلم، الذى يستطيع أن «يصنع من الفسيخ شربات»، إذا كان على أعلى مستوى من الكفاءة والتدريب، عكس الوضع القائم الذى أصبح كل من هبّ ودبّ يمارس التدريس، وبالتالى أصبح مهنة من لا مهنة له.

وتدعو رجال الأعمال الشرفاء إلى تبنى الطلاب النابهين من كل جامعة للسفر إلى البلاد التى سبقتنا فى مجال التعليم، لنقل تجارب تلك البلاد وخبراتها، وبذلك يرتقى حال التعليم فى بلادنا.

وتتفق الدكتورة فارعة حسن سليمان، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة عين شمس، مع الرأى السابق، حيث تشدد على ضرورة المشاركة المجتمعية من رجال الأعمال الشرفاء فى بناء المدارس، لأن هذا هو الحل الوحيد فى ظل الكثافة السكانية الرهيبة التى تشهدها مصر سنويا.

وتضيف د. فارعة أن كثافة الفصول الدراسية تؤثر تأثيرا سلبيا فى أداء المعلم، حتى لو كان على أعلى مستوى من الإعداد، وترى أن وزير التربية والتعليم يبذل جهدا غير عادى فى هذا الصدد، وقدم مقترحات كثيرة فى هذا الشأن.

ولعلم الاجتماع رأى أيضا فى هذه القضية، حيث ترى الدكتورة سامية خضر صالح، أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية بجامعة عين شمس، أن قضية تكدس الفصول الدراسية مشكلة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها عوامل كثيرة، مثل قضية الانفجار السكانى، ونسبة الأمية، مشيرة إلى أننا نحتاج يوميا إلى 26 فصلا دراسيا للقضاء على التكدس الموجود فى الفصول الدراسية، لأننا نزيد كل عام 2.5 مليون فرد.

وتؤكد أنه يجب تدعيم دور رجال الأعمال، وتشجيعهم على بناء المدارس، دون جشع وطمع فى الربح المالى. وترى أن بناء مدرسة لا يقل عن بناء مسجد أو كنيسة، كما أن أغنى الدول فى العالم، مثل ألمانيا واليابان، قائمة على المشاركة المجتمعية، وبالتالى فنحن فى مصر فى أشد الحاجة لمثل هذه الجهود.

الاستاذ محسن شعراوى


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى