قضية مريم ملاك: صفر في الاخلاق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

27082015

مُساهمة 

. قضية مريم ملاك: صفر في الاخلاق




أثارت حكاية التلميذة مريم التى حصلت على صفر فى جميع المواد بالثانوية العامة، وكانت تنجح بتفوق فى السنوات السابقة جدلاً عاماً مقترناً بالدهشة والأسى لما وصل إليه حال التعليم فى بلادنا. ولكن الحسرة كانت أكبر لما وصلت إليه حالة الأخلاق فى البلاد.

إن قصة مريم- سواء كان ما حدث سهواً أم عمداً- فإنها تستدعى التأمل فى دور المدرسة فى المجتمع، وساعتها سندرك أن الخلل أكبر بكثير مما نظن.. التعليم العام والمنشآت المدرسية ظاهرة حديثة لم تعرفها المجتمعات القديمة وإنما ارتبطت بمرحلة الحداثة التى دشنت فكرة التعليم الإجبارى لكل الأطفال، والتعليم العلمانى الذى يوجه لكل تلاميذ الوطن على اختلاف أديانهم، وألزمت الدولة بوضع ميزانية للتعليم، وتوجت المسار التعليمى بالشهادات والدبلومات. وكل هذا يشير إلى أن للمدرسة دوراً جوهرياً فى تشكيل المجتمع الحديث.

للمدرسة فى هذا المجتمع الحديث مهمتان رئيسيتان. الأولى هى نقل المعارف أى شرح وتبسيط نظريات العلوم المختلفة والتى سبق انتاجها من هندسة وفيزياء وتاريخ ولغة، أما الثانية فهى التنشئة الاجتماعية، وتعنى تدريب التلميذ على المواطنة ومفهوم الحقوق والواجبات والعيش مع الآخرين والشعور بالانتماء للوطن..

المهمة الأولى يمكن الحصول عليها بطرق أخرى غير المدرسة، مثل الكتب وشرائط الفيديو والإنترنت والمدرسين الخصوصيين، أما المهمة الثانية فلا يمكن تحقيقها فى أى مكان آخر، ولذا فالمدرسة هى المكان الأول فى المجتمع الذى يؤهل الأجيال المقبلة لأن يكونوا مواطنين صالحين ولديهم انتماء للوطن.

لا تحقق المدرسة ذلك من خلال التلقين والكتب المقررة ولكن من خلال الممارسة التعليمية ذاتها. فهذه الممارسة تحمل فى طياتها القيم والأخلاق اللازمة للتماسك الاجتماعى فيما بعد، وهو ما نسميه التربية الأخلاقية الضمنية. العملية التعليمية تتضمن القيم الأساسية للحياة فى مجتمع صالح وهى العدالة والمساواة وعدم التمييز ومكافأة الجهد والتدريب على النقد. ولا مجال لتحقيق هذه القيم داخل الأسرة، وهى الوسط الذى يحيا فيه التلميذ قبل دخول المدرسة. فالحياة الأسرية تقوم على التفاوت والتمييز: سلطة أكبر للابن البكر وتدليل أكبر للابن الصغير، وهامش من الحرية للصبيان أوسع منه لدى البنات، فضلا عن أوامر الأب التى لا تناقش. أما فى المدرسة فالعدالة يلمسها التلميذ، أياً كان وضعه الاجتماعى أو العرقى أو الديني، فى تصحيح كراسات الإجابة، وذلك بمقارنة درجاته الحاصل عليها مع درجات الآخرين. كما أن المساواة وعدم التمييز تتجلى فى تعامل المعلم مع التلاميذ. فهو لكى يتمكن من نقل المعلومات وشرحها يحرص على توفير الانضباط فى الفصل الدراسى، ويلجأ بذلك إلى تقنيات تتراوح بين التوسل والغضب والمعاقبة. وينبغى أن يشعر التلاميذ بأن كل هذه الأمور تتم دون تمييز أو محاباة لتترسخ فى ذهنهم فكرة مساواة الجميع أمام القانون. ثم قيمة مكافأة الجهد، فالتلميذ الذى يرى قرينه يؤدى الواجبات ويحرم نفسه من اللعب والتسلية لكى يستذكر دروسه، ينتظر بالطبع أن يشغل هذا التلميذ مكانة متقدمة يتفوق فيها على التلميذ اللاهى أو البليد. وأخيراً الروح النقدية، فالمدرسة لا تنقل للتلاميذ معتقدات وانما تنقل معارف. وهذه المعارف بدورها متطورة ونسبية، ولذا ينبغى أن تنقل للتلميذ بطريقة تترك له مجالاً لأن يعبر عن رأيه الخاص مما يدعم فكرة النقد وهى المقدمة الضرورية لكل إصلاح فى أى مجتمع.توالدول المتقدمة التى جعلتها الظروف تدير مجتمعا متعدد الأعراق والديانات، تولى اهتماما كبيرا بهذه المهمة فى المدرسة وتعاقب بحزم أى ممارسة تمييزية تحدث داخل أسوار المدرسة. تعالوا الآن لننظر إلى المدرسة فى واقعنا المصرى المعاصر لنقف على مدى تحقيقها لهذه القيم.

كلنا يسمع من فم تلاميذ كثيرين أن درجتهم المنخفضة قد وضعها الأستاذ ليضغط عليهم لكى يأخذوا عنده درساً خصوصياً. وهنا تختفى قيمة العدالة ليحل محلها استغلال النفوذ. وفيما يخص المساواة، فقد انشق التعليم العام فى بلدنا فأصبح لأبناء الأغنياء مدارسهم «الخاصة» والتى يعاملون فيها بصورة إنسانية ولائقة، بينما يتكدس أبناء الفقراء فى تمدارس بصورة تعيق أى عملية تعليمية، كما تتعود أذانهم على سماع السباب والإهانة من معلميهم، عمّال على بطالس فهم من أبناء الفقراء. أما عن مكافأة الجهد فلقد أطاح بها الغش الذى أصبح رياضة قومية تسهم فيها أطاف كثيرة، صمتاً أو تواطؤاً، ليجد الطالب اللاهى نفسه وقد احتل مقدمة الصفوف دون أن يتعب أو يستذكر.

هكذا مصيبتنا فى التعليم مصيبتان: الأولى تتعلق بنوعية ومستوى المعارف التى ننقلها للتلاميذ والتى تجعلهم عند اختبارات تحديد المستوى والتى تتم بين أبناء الدول المختلفة يحتلون مرتبة أدنى، أما المصيبة الثانية فهى تطيح بالأخلاق وبقيم المواطنة. وللأسف هذا الوضع تمستمر منذ عقود. وتلك الأجيال التى تعودت على أن المدرسة هى مكان للبلطجة والغش واستغلال الأموال والنفوذ سوف يعيدون انتاج ما تعلموه حينما يكبرون و يتولون مناصب مسئوليات فى المجتمع.

وفى النهاية لا نملك إلا أن نقول لابنتنا مريم: ليس والداك فقط هما من باتا مقهورين بسبب ما تعرضتِ له، ولكن الوطن بأسره بات مقهوراً.
د.انور مغيث
الاهرام اليومى

العلم والايمان


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى